محمد فاروق النبهان
48
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
احترامها لقدسية هذا الحق ، فالمفسر مجتهد ، ولا خير في جيل لا يجد علماؤه ما يكتبونه أو يضيفونه إلى مجال المعرفة الإسلامية سوى ما كتبه السابقون ، فمثل هذا الجيل عبء على أجيال سابقة ، لأنه لم يضف ، والفكر الذي لا يواكب حركة المجتمع سرعان ما ينعزل عن ذلك المجتمع ، لأن المجتمع ساحة امتداده ، لا يمكن أن يجد ما يقوله ، سوى ما سبق أن قيل ولا فضل له فيما نقله عن غيره ، فنقلة العلوم لا يرقون إلى درجة العلماء . وعلوم القرآن كثيرة ، ومن الصعب معرفة العلم الأول منها ، إذ أن نشأة العلوم بدأت مع بداية نزول القرآن ، فالرسم القرآني هو العلم الأول من حيث النشأة ، لأنه ارتبط بكتابة القرآن ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم كتّاب الوحي كيفية كتابة القرآن ، والعناية برسمه ، بطريقة متميزة عن قواعد الإملاء ، وعندما جمع « عثمان بن عفان » القرآن وكتبه في مصحف موحد ، راعى الرسم القرآني الأصيل الذي كتب بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وتم جمع القرآن لأول مرة في عهد أبي بكر ، وتعددت القراءات في وقت مبكر ، وكان كل فريق من العلماء يدرس جانبا من جوانب تاريخ القرآن ، من حيث الرسم والجمع والنقط والشكل ، أو من حيث كيفية الأداء القرآني ، كعلم القراءات والتجويد في النطق ، أو من حيث معرفة أوجه البلاغة والفصاحة ومنهج الإعجاز البياني . وكان قراء الصحابة هم الأوائل في معرفة علوم القرآن ، وهم الحجة فيما يتعلق بالقرآن ، جمعا ورسما وأداء ومعرفة بالناسخ والمنسوخ ، وبأسباب النزول ، ومعرفة الفواصل والوقف ، وكل ما هو توقيفي من علوم القرآن ، فلا بد له من سند صحيح يثبت أصله ونقله وصحته . واشتهر عدد من الصحابة ممن عرفوا بمعرفة القرآن وإتقان حفظه وأدائه ، ومن أبرز هؤلاء : زيد بن ثابت ، وأبي بن كعب ، وعبد اللّه بن مسعود ، وعبد اللّه بن عباس ، وعبد اللّه بن الزبير ، وأبو موسى الأشعري ، وأبو الدرداء ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وأبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، ومعاوية ، وطلحة ، وأنس بن مالك ، وحذيفة بن اليمان .